عالم الورد

عالم الورد

منتدي يهتم فيك وفيني ويناقش كل اهتماماتنا وقضايانا وحوارتنا وهوايتنا خلك معانا


    مقال يحكي واقع المبتعثين السعوديين .. كتبته فتاة .. حفظها الله

    شاطر
    avatar
    كللي حلى
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    عدد المساهمات : 101
    تاريخ التسجيل : 20/07/2010
    الموقع : الرياض

    مقال يحكي واقع المبتعثين السعوديين .. كتبته فتاة .. حفظها الله

    مُساهمة  كللي حلى في الأربعاء أغسطس 11, 2010 11:19 am

    مرحبا بالجميع
    جايب لكم مقال حلو
    كل عام وانتم بخير
    وتقبل الله صياكم وقيامكم



    مقال يحكي واقع المبتعثين السعوديين .. كتبته فتاة .. حفظها الله

    عين اليقين عن حياة المبتعثين



    بقلم: سامية الشهري – بريطانيا



    لطالما خططتُ كثيراً لكتابة هذا المقال ، و دوّنتُ الكثير من النقاط التي أتطلع لأن أتطرق إليها في هذه السطور..لكنني كنتُ كمن يقدّم رجلاً و يؤخر أخرى .. فالحالة النفسية متقلّبة جداً ..و لا أرى نفسي إلا أنني وقعتُ فريسة ً للحالة التي يسمّونها بـ(الصدمة الحضارية Culture Shock )

    و تجاوزتُ المرحلة الأولى منها التي تُدعى (مرحلة شهر العسل ) .. التي يبقى المغترب فيها مبهوراً بقناع الحضارة الجديدة التي (اصطفاه) الله(!!) لتذوق حلاوتها – إن صح التعبير- .

    ثم ينقشع هذا القناع المزيّف عن وجهٍ أسودٍ مكفهرٍ عبوسٍ قمطريرٍ ، يجعل المرء يتمنى لو يتردى من شاهقٍ (عياذاً بالله)، أو أنه يغمض عينيه ثم يفتحها ليجد نفسه في مطار بلده ليُقبّل الثرى الطاهر و يذكر محاسن بلده التي لم يكن ليعرفها لو لم يضرب في الأرض و يمشي في (مناكبها) التي لا تشبه(مناكب) بلده و لا حتى (مناقبها).

    هذه المرحلة يكون لسان الحال فيها : (كل شيءٍ سيء ) Every thing is awful

    وما زلتُ (أتأمل) و أرجو الله عزوجل أن أنتقل للمرحلة التي تليها ، و يسمونها مرحلة (كل شيء على ما يُرام Every thing is OK (أتمنى ذلك ) !!



    ليس من السهل لشخصيةٍ مثلي تربت في أحضان (السلفية) و هدهدتها حياة (التديّن) و (الدعوة) ، أن تختار أن تُغامر لتعيش في (غير هذه الأجواء) فيصبح الهواء (لا كالهواء) و لا تشبه الأرض (الأرض) و لا السماء (السماء) ...

    سافرتُ مع زوجي إلى بريطانيا للدراسة هناك ، ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي (و قد سبق لزوجي العيش قبلي في الخارج ) . و كان (حسن الظن) أن بريطانيا (خيارٌ أمثلٌ ) للدراسة فيها .و أن (سقف الحريات) و (التعددية الثقافية) موجودة هناك بشكلٍ يسمح لنا أن نعيش (أحراراً) [لا لنا و لا علينا ]، حتى نقضي حاجتنا و نعود بشهاداتنا بإذن الله سالمين .

    اختار زوجي أن نعيش في إحدى ضواحي لندن(رغم غلاء المعيشة فيها) ، التي يقل فيها العرب و السعوديون ، و قد فرحتُ بهذا القرار (حتى يكون مناخ ممارسة اللغة متاحاً لي بشكل أفضل) .

    والحق يُقال: أن المكان الذي اخترنا العيش فيه ، يُصنّف على أنه من أكثر المناطق (أماناً) في بريطانيا ، و نسبة الجرائم فيه أقل بكثير من غيره. و لا أبالغ إن قلت: أن المنطقة هذه جميلة جداً ، وفيها جميع الخدمات ، و منزلي بجانبه موقف الباص ، وعلى بعد أمتار منه محطة القطار ، وبجانبي السوبرماركت و المحلات التي أجد فيها كل الاحتياجات و المستشفى والمكتبة العامة و مدرسة اللغة ، و حدائقٌ تسلب الألباب . فلا يكاد ينقصني شيء بفضل الله ...

    إلا .... صوت الأذان ..و إقامة الصلوات ...

    هنا الشعب البريطاني يكدح (بجدٍ واجتهاد) طوال الأسبوع ، وما يجنونه من مالٍ ينفقونه آخر الأسبوع في السهر و الشراب ، وهكذا ...حياتهم بلا روح.

    لاحظتُ فيهم كثرة الأمراض العصبية ،كشلل الرعاش و التصلب اللويحي و الزهايمر و غيرها . فهل هذا بسبب الخمر ، أم بسبب ضغوط الحياة و الظروف الاقتصادية؟؟، الله أعلم.

    لطالما تعوذّتُ بالله من (جار السوء) ..لكني جاورتُ كنيسةً ضخمةً جداً .. تُؤدى فيها صلوات الأحد ، و لا أدري أي نوعٍ من الموسيقى تُعزَفُ فيها بشكل مزعجٍ أحياناً ، و تدقُّ أجراسها على رأس كل ساعة (ليلاً و نهاراً) ، بل و أظنُّ أنها تدقُّ في الساعة السادسة مثلاً ست مرات ، و السابعة سبع مرات و هكذا ... و إذا كانت هناك حالة (وفاة) استمر (رنين أجراسها ) لمدة طويلة ..[نسأل الله حسن الخاتمة على خير عمل].

    لم يشتكي أحدٌ من – بني الأصفر- أن هذه الكنائس مزعجة (مع أنها مزعجةٌ حقاً) ، و لم (يُجيّش) أحدٌ منهم قلمه لمناقشة هذا الأمر ، ولم تحصل (حملات الكُتّاب الصحفيين) كالتي تحصل عندنا لإسكات صوت المآذن أو لإغلاق ميكروفونات المساجد بحجة أنها تُزعج السكان و توقظ النائمين و تخيف الأطفال ، كما حصل في بلادي (المسلمة) [فيا عجبي!!].

    وقفة : أريد أن أكمل ، فلا أدري أأبدأ بسرد الإيجابيات فتقولون عني (مُعجبةٌ بحضارة القوم) ، أم أسرد السلبيات فتقولون عني (متحاملةٌ ضد الآخر)كما يحب البعض أن يسمّيهم ؟؟؟!!!

    بطبيعة الحال ..كنتُ قد قررتُ سلفاً أن أواصل تعليمي في هذه البلاد و أنا أرتدي (النقاب) و أعددتُ العدة لذلك بألوان مناسبة ٍ ، حتى أبقى في الـsafe side

    أول الصدمات التي رأيتُها في الطائرة : حينما اقتربنا من مطار هيثرو ، بدأت بناتُ بلدي بطيّ عباياتهنّ و التبرج الكامل ، بدون أي حرج (!!)

    و رأيتُ الكثيرات منهنّ يفعلن ذلك ، بحجة أنهنّ خائفات على أنفسهنّ من (المضايقات) ، و نسين أن ( الله لا يجمع على عبدٍ خوفين ، و لا يجمع عليه أمنين ، فمن أمّنه الله في الدنيا خوّفه في الآخرة ، و ومن خوّفه الله في الدنيا أمّنَهُ في الآخرة)كما جاء في الحديث الشريف ..

    لم أكن أعلم أن المنطقة التي فرحتُ بالسكن فيها ، يسكن فيها (إنجليز) (عنصريون ) و (متعصّبون) و خاصة ً (كبار السن ) منهم . و السبب برأيي أن هذه الضاحية الصغيرة فيها كل الخدمات ، فلا يحتاج أهلها للسفر إلى وسط لندن ، وبالتالي مشاهدة الناس من الأطياف و الأديان الأخرى من السائحين وغيرهم. فكان وجودي في هذه المنطقة بهذا المظهر (غريباً جداً) .. و بـ(النقاب ) أيضاً ؟؟ (يا نهار أبيض)

    في البداية كنتُ مع زوجي لنشتري بعض الحاجيات ، و إذا بشخصٍ ينادي زوجي و يقول له : (أنا بدي آكل لحم خنزير.. أنا بدي آكل لحم خنزير) ، فالتفت له زوجي وهو يبتسم ساخراً و ذهبنا .

    وكنتُ أقول لزوجي حينها : إنه يقصد السخرية من ديننا ، فقال لي : لا ، لا تكترثي للأمر .(كان يريد بذلك أن يهوّن عليّ)

    و مرةً كنّا نسير و إياه ، فعبر أحدهم بسيارته و قال كلاماً لم أفهمه لأنه كان مُسرعاً، ولكنه كان يسبُّني أنا و زوجي .

    و في مرةٍ كنتُ أسير أيضاً فوقف في طريقي عدد من طلاب المدارس المراهقين ، وقالوا كلاماً بذيئاً وهم يقصدوني ، و لا تنسوا الكلمة المشهورة القذرة التي تبدأ بحرف الـF …… فقد سمعتها تُقال لي ذلك الوقت .

    كنتُ حينها متماسكة و لا أبالي ، لأن هذه المضايقات كانت بشكلٍ متباعدٍ جداً ، و كنتُ لا ألتفتُ لها ، و بدأتُ دراستي ، و صرت أخرج لوحدي كل يومٍ لمعهد اللغة ، و أعودُ و أتبضّع لوحدي حاجيات المنزل ، و لم أكن أشكو من أي شيء ..

    كان رصيد قوتي عالياً جداً ، كنتُ أرى نظرات الناس تتكرر باستمرار و لها معانٍ كثيرة ، فبعضهم ينظر باستغراب ، و بعضهم باحتقار ، و بعضهم بسخرية ، و بعضهم بشفقة ... و هكذا ..

    إلى أن أتى ذلك اليوم الذي أتت فيه صديقتي لزيارتي في إجازة الأسبوع ، و خرجتُ معها بعد تناول الغداء للتنزه في وسط البلدة ، و أثناء عودتنا ، كان هذا هو الوقت الذي ابتدأ الناس فيه باحتساء الخمور و تجمّعوا في الطرقات التي تحفّها البارات ذات اليمين و ذات الشمال ، و هناك تعرّضنا لمضايقاتٍ تشبه (أفلام الرعب) أو (كوابيس الشيطان) فصاروا يقتربون منّا و يصرخون في وجوهنا بشكلٍ مخيفٍ جداً (و لاتستطيع أن ترد عليهم أو حتى أن تشكوهم للشرطة فهم مخمورون أصلاً)، و حينها أصابتني رعدة خوفٍ ليس لها مثيل، وكان كل ما علينا فعله هو أن نتحاشاهم كأننا لم نراهم ، حتى وصلنا للبيت ، و اضطرت صديقتي أن تذهب لمحطة القطار-مع قربها الشديد- بواسطة التاكسي بسبب خوفنا من مزيد من المضايقات (والتاكسي هنا يُستدعى بواسطة الهاتف ،بمجرد إعطائه الرمز البريدي للسكن الذي نحن فيه ) [آه على بلدي التي تعرف العناوين فيها بـ (أول لفة يمين ، وثالث زبالة على اليسار)] .

    بعد هذا الموقف اهتّزتْ قوتي قليلاً ، لأن الخوف بدأ (ينخر) هذا التماسك الذي كنتُ (أتحلّى) به.

    و مع الوقت ازداد تكرر المضايقات لي في الشارع ، أحدهم قال لي : (اخلعي عبايتك أو ارحلي من بلدنا ) و أخرى (عجوز في الغابرين) ، قالت لي : أنت غبية ، و أخرى هندوسية كالت لي الكثير من السباب الذي لم أفهمه . و الكثير من العبارات مثل : (الموت لك) ، (منظرك سيء)، و نحو ذلك..

    فاضطررت بعد ذلك لاستخدام الباص حتى أذهب للمدرسة ،رغم قربها من بيتي .

    و هنا حدث لي ما لم أتوقعه ، من سائق الباص الذي أركبه باستمرار . حيث أنني مرةً كنتُ أنتظر قدومه لأعود للبيت ، فلما شاهدني وحدي ، تركني و ذهب ، و لم يتوقف لي ، رغم أنني أشرتُ له بطلب التوقف ، فظننتُ في البداية أنه خطأ غير مقصود . لكن في المرة الثانية ، أشار لي بتعابير وجهه أنه لا يريدني أن أركب أو أنه متضايق من وجودي في الباص . و كانت هذه (القشة ) التي قصمتْ ظهر البعير .. فانهرتُ تماماً ، وأصبحتُ كثيرة البكاء ، و توترتْ علاقتي مع زوجي ، لأنه كان يظن أنني سأكون أقوى و سأتحمل كل تبعات اختياري للبس النقاب و الدراسة في الخارج، لكني أصبحتُ أبكي بشكل هستيريٍ باستمرار ، وتأثرتْ صحتي كثيراً ، و أصبحتُ أتغيب عن الحضور للمعهد ،بسبب خوفي من الخروج للشارع ، و أصبح جسمي يترجم هذا الخوف عن طريق آلامٍ متفرقة تعتريني بين الفينة والأخرى.وكدت أن أرسم عن البريطانيين صورة نمطية سلبية ، لولا أن هناك نماذج إيجابية تجعلني أكثر اتزاناً في إصدار الحكم [ و رغم أن أحد الشيوخ الثقات في السعودية عندما شرحت له وضعي أفتاني بجواز كشف وجهي بالضوابط المعروفة ، إلا أنني لم أتسرع في تطبيق هذه الفتوى ، لأن الأذى الذي تعرضتُ له لم يتجاوز الكلام ، و حتى لا يقول المحيط الذي أعيش فيه من طلابٍ و مدرسين أنني ضعفت و غيّرت قناعاتي من أول شهر حللتُ فيه هنا ]

    أعود لقصتي:اضطررتُ لمراجعة (المستوصف) [الذي يعادل بحجمه أكبر مستشفى في بلدي] ، و أثناء ذلك طلبتُ من أحدهم مساعدتي ليدلني على الطريق ،فرفض مساعدتي لأني أرتدي النقاب ، وقال لي : لن أخدمك حتى تخلعي النقاب و يرى الناس وجهك . وذهب . فازددتُ مرضاً على مرضي . و ذهبتُ للطبيب الذي أحالني لإجراء فحوصات كاملة .

    طبعاً ، النظام الصحي هناك ، لا يمكن أن يُقارن بحال ، بالنظام الصحي في بلدي . بدءاً بالمعاملة الحسنة التي تلقاها من العاملين في القطاع الصحي، مروراً بالتنظيم الفائق و احترام الوقت و الاهتمام بالأطفال (وبمهارة القراءة لديهم حتى في المستشفيات).

    بالنسبة للحياة الدراسية ، فهي جميلة و ممتعة . مع وجود بعض الصعوبات التواصلية مع الآخرين (لكنها ليست بذات أهمية قصوى) ، وهذه الصعوبات تكمن في رفض الكثيرين ممن حولي لارتدائي للنقاب وتحاشيهم للتعرف عليّ أو الحديث معي ، حتى أبتدرهم بالأمر ، فإذا عرفوني جيداً زال الخوف من نفوسهم .

    ابتدأت دراستي في الصيف ،وهو التوقيت الذي يفد له الطلاب من جميع أنحاء العالم لدراسة اللغة في لندن.قابلت الكثير من الأطياف و الأجناس . و الإناث هنا وخاصة في الصيف لا يكدن يسترن إلا القليل من أجسادهن . و لا أعتقد أن هذه الأجواء المختلطة (صحية ) مطلقاً . و الدارس هنا سيرى بأم عينيه كيف تتنقل الفتاة من صاحبٍ إلى صاحب ، و الشاب كيف يضم هذه و يلثم تلك . و الإشكال الذي رأيته (و أزعجني حقيقةً) هو أن الكثير من طلبتنا و طالباتنا السعوديين (راحوا فيها) – إن صح التعبير- .والحقيقة أننا نعاني من غياب الوعي في حدود التواصل بين الجنس الآخر. و نحن بصراحة للأسف الشديد لا نطبّق المعايير الدينية و لا المجتمعية التي تعلمناها في بلادنا وفي مدارسنا ، بل سرعان ما نذوب في بوتقة الآخر (حيث الماء والخضرة و الوجه الحسن)، فنقبل مصافحة الجنس الآخر ، و نقبل الصداقات خارج إطار الزواج ، و نقبل الذهاب للبارات و النوادي الليلية ، وووو ... و كأننا لسنا إلا من بقية القوم – إلا من رحم الله تعالى- .

    واجهتني العديد من الأسئلة حول ديني و بلدي و حجابي من ضمنها :

    - هل تشعرين بالخجل و أنت ترتدين هذا اللباس ، و لايرى أحدٌ زينتك؟

    - هل تظلّين هكذا حتى في بيتك؟

    - هل أنتن مجبرات لارتداء هذا النقاب أو الحجاب أم أنه باختياركن ؟ و في أي مرحلة عمرية يُفرض عليكن ؟

    - لماذا هناك سعوديات لا يلبسن الحجاب ، وسعوديات يلبسن الحجاب ؟ ألستم من بلد ودين واحد؟

    - إذا كان الخمر ممنوع في بلادكم ، فمعنى ذلك أنه بلد غير صالح للسياحة ، فهل هذا صحيح؟ (هذه أجبتُ فيها ، وقلت : قد يكون في نظركم غير صالح للسياحة ، لكن منع الخمر فيه جعله أكثر أماناً ) وكان جواباً مسكتاً .

    - هل الزواج يبدأ عندكم من سن مبكرة ؟ وهل هناك علاقات خارج إطار الزواج ؟ وكيف يختار الرجل شريكة حياته ، و المرأة شريك حياتها؟

    - ما رأيك في النساء الغير مسلمات ، هل هنّ في نظرك قذرات و عاهرات ؟

    - الكثير منهم تفاجئوا عندما علموا أن التعليم عندنا (غير مختلط) و بخاصة مدير المدرسة التي أدرس فيها ، كانت هذه بالنسبة له معلومة جديدة .

    أما تعامل المدرسين والمدرسات و فريق العمل في تلك المدرسة ، فهو أكثر من رائع ، وليس هناك فرق بين أي جنسية أو لون أو ديانة .الكل يُعامل هنا باحترام . بل إنهم يرشدوننا لأقرب جامع إذا أردنا الصلاة . و أحياناً إذا احتجتُ لأداء صلاة الظهر في المعهد يبحثون لي عن مكان فارغ ، بل والله أن أحدهم ذهب لإحضار جهاز بوصلة ليساعدني في تحديد اتجاه القبلة (و هو غير مسلم) .

    المشرفة الطلابية حاولت سؤالي أكثر من مرة (على طريقة الصيد في الماء العكر، وجسّ النبض) : ما رأيك لو خرجتِ معي الآن إلى حديقة المدرسة أمام الطلاب بدون غطاء للوجه ؟ هل هذا محبب ٌ إلى نفسك ؟ ، فقلتُ لها : لا ، هذا اعتقادي ،وهذا اختياري .

    ومن ثم قالت لي :لو زرتُ بلادكم السعودية ، هل سألبس مثلكم ، أم أن عندكم حرية أن يلبس المرء ما يشاء ؟ .قلتُ لها : هناك حرية لكنها لا تتنافى مع الآداب العامة ، يجب عليك أن تلبسي لباساً طويلاً و تغطي شعرك على أقل تقدير .

    إحداهن (بريطانية عمرها 50 سنة، صاحبة الشقة التي استأجرتها) كانت تناقشني في حجابي ، أثناء وجودها معي في الشقة ، ثم اشتكت لي من خيانة زوجها السابق لها مع امرأة أخرى ، فاقتنصتُ الفرصة لأقول لها : ولذلك عندنا الحجاب مهم ، حتى لاتقع مثل هذه الخيانات و لا ينظر الزوج إلى امرأة أخرى لأن النساء كلهنّ محجبات فلا يحصل الافتتان بهنّ. فاضطربت ثم قالت : أنا أحترم ثقافتك ، وربما يكون الأمر صحيحاً .لكن ليت العالم يصبح ديناً واحداً و يعمه السلام .(هي تقصد أن تصبح الأديان السماوية ديناً واحداً ، كدتُ أن أقول لها : إن الدين عند الله الإسلام)

    هذه مقتطفات من تجربتي في إحدى بلاد الابتعاث (المُفَضّلة لدى السعوديين) ، و الحقيقة أنني استفدتُ و رأيتُ الكثير من الإيجابيات هنا في هذا البلد ، سأذكر طرفاً منها :

    - المكتبات العامة في كل مكان ، و مفتوحة من الثامنة صباحاً حتى التاسعة ليلاً (على الأغلب)،و فيها ترتيب يبهر الزائر ، تستطيع فيها استعارة الكتب المقروءة و الصوتية ، وأقراص الدي في دي و السي دي و الأفلام و تصفح الانترنت و غيرها من الخدمات المهمة .و أكثر ما أعجبني النظام الالكتروني الذاتي للاستعارة أو لإعادة الكتب أو لتسديد الرسوم ،حيث لا تحتاج فيه للرجوع للموظف ، وفي هذا تسهيل كبير على الناس .بالإضافة إلى قسم الأطفال (الذي أدهشني حقاً) و الكثير من الفعاليات المُقامة فيه لتعزيز حب القراءة في نفوس الأطفال .[ والذي نفتقد مثله في بلادنا للصغار و للكبار] . و الحقيقة أن الشعب هنا يقدّس القراءة ، فكثيراً ما تجدهم يقرأون في الطريق ، وفي القطار ، و في صالات الانتظار .

    - أعجبتني أيضاً وجود الكثير من المحلات التجارية (باسم مؤسسات طبية خيرية لمرضى السرطان ، أو القلب ، أو لرعاية المسنين ) يقومون ببيع الملابس و الأدوات المنزلية والقرطاسية والهدايا و التحف و الكتب المستعملة، بطريقة جميلة و بأسعار معقولة (ليعود ريعها لتلك الجهات) . وكم أتمنى لو أن الجهات الخيرية في بلدي طبّقت مثل هذه الأفكار بطريقة حضارية ، لتشجّع الناس على المساهمة فيها و لتعريف الناس بأنشطتها بشكلٍ أوسع .

    - الإسلام دينٌ تكفّل الله بحفظه ، فعلى الرغم ما وجدتُ من المضايقات ، إلا أنني وجدتُ نماذج إيجابية ومشرفة ، هناك غير مسلمين عقلاء يحترموننا ويتفاعلون مع قضايانا . و هناك الكثير من المسلمين يعملون في قطاعات المجتمع المختلفة من أطباء ومهندسين وتقنيين ومعلمين ، بكل كفاءة . وأذكر على سبيل المثال : معلم لغة انجليزية (من قبرص التركية المسلمة) لا أبالغ إن قلتُ أنه بزّ أمثاله من المعلمين أصحاب اللغة الأصلية في تدريسه وأخلاقه وكفاءته ، وقد استفدتُ منه كثيراً . وكذلك أخصائي مختبر ،قام بسحب عينة دم مني ، وسمعته يسمّي بالله أثناء سحب العينة، وسترني –ستره الله في الدنيا والآخرة- حتى لا يراني أحد ، ثم قال لي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( تلك التحية التي أشعر بنشوةٍ روحيةٍ عندما أسمعها) . [ ومن تغرّب في الأمصار فسيعرف قيمة هذه التحيّة و جمال كلماتها]. وهناك الكثير من المسلمين هنا أيضاً يديرون العديد من المطاعم الناجحة أو المواد الغذائية واللحوم الحلال ، ونحو ذلك.

    هذا ما تيسّر لي كتابته في هذا المقال – و أعتذر إن أطلتُ عليكم – لكنني أحببتُ أن أقول بعد سرد تجربتي المتواضعة ، أن برنامج الابتعاث سلاحٌ ذو حدين ، و أن شبابنا و فتياتنا يحتاجون للكثير من (التحصين) الفكري والديني والمعرفي قبل سفرهم (لا تكفي ثلاثة أيام ملتقيات للمبتعثين) . و يحتاجون متابعة نفسية و توجيهية وتعليمية بعد سفرهم عن طريق الملحقيات الثقافية .(للأسف الملحقيات الثقافية لا تقوم إلا بالدور الإداري و المالي فقط) وجميع الطلبة يشهدون بصحة كلامي هذا . فأتمنى لو تُعنى وزارة التعليم العالي بهذا الأمر . لأن هناك من يتقاذف عقول طلابنا و هناك اختلافات قيمية و دينية و ثقافية قد لا يستطيع أي أحد تحمل وجودها دون الانخراط فيها أو الانعزال التام عنها ، وعقولنا في هذه المرحلة العمرية و خبرتنا القليلة في الحياة تجعلنا لا نحسن التصرف و اتخاذ القرارات في كثير من الأمور ، فنحن بأمس الحاجة لذوي الخبرات من أساتذتنا و الكفاءات عندنا و لو بشكل دوريٍّ متقطّع حتى يرشدونا بإذن الله لما ينفعنا .

    اسأل الله عزوجل أن يكون في معيّتنا و يحفظنا بعينه التي لا تنام ، حتى نعود لبلادنا سالمين غانمين غير مبدلين و لا مغيّرين ، على الحق ثابتين ، ولسنة الله ورسول متبّعين . و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    - - - - -



    تحياتي
    كللي حلى



    avatar
    الفارس
    عضو مميز
    عضو مميز

    عدد المساهمات : 37
    تاريخ التسجيل : 17/07/2010

    رد: مقال يحكي واقع المبتعثين السعوديين .. كتبته فتاة .. حفظها الله

    مُساهمة  الفارس في الأربعاء أغسطس 11, 2010 11:37 am

    ماشاء الله ...
    لا اخفيكم سرا بأني قد دخلت اليوم لهذا المنتدى لاعلان خروجي النهائي منه ولكن استوقفني هذا المقال الصاعق جدا...
    لم اتوقع وانا اقرا ذلك المقال ان استمتع وبحزن كلام الكاتبة الجزيل في عباراته ..الحكيم في طرحه...

    اخوتي نعم واكررها بأن اخواننا واخواتنا يتعايشون مع التضاد فيما يحتوي مشاعرهم وتربيتهم واحساسهم وبين ما يجدونه في طرقات الغربة والاغتراب

    اخوتي نحن شعب غريب جدا عن شعوب العالم .... لان العالم هو من ينظر لنا نحن السعوديين بالاخص بمنظار صورة الاسلام وتداعيات الاسلام ... وهذا المنظار احيان يكون قاسي علينا كثيرا عندما تتجرد مجموعة منا بسلخ النظرة المعتدله للانسان السعودي المسلم وبين الانسان المتطرف اما يسارا او يمينا...


    اختي كلي حلى اختيار موفق لهذا المقال في الصياغة والمضمون......

    ونحمد الله على رجوعك من السفر ورمضان عليك مبارك انتي وبقية اهلك وعمره مقبولة سلفا


    تذكير : خروجي من هذا المنتدى الناعم والهادى ليس قصورا في اعضائه ومنسوبيه وادارته
    بالعكس اتمنى ان يكون هذا المنتدى مشعل ونبراس صدق ومصداقيه بعيدا عن الاكاذيب والكلمات التافهة

    تحياتي لكل عضو انار واستنار بهذا المنتدى
    الفارس
    avatar
    كللي حلى
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    عدد المساهمات : 101
    تاريخ التسجيل : 20/07/2010
    الموقع : الرياض

    رد: مقال يحكي واقع المبتعثين السعوديين .. كتبته فتاة .. حفظها الله

    مُساهمة  كللي حلى في الأربعاء سبتمبر 01, 2010 11:57 pm


    مشكور اخي الفارس
    بس خير ان شاء الله
    ليش تبي تتركنا

    المنتدى يمر بضروف الاجازه ومرض صاحبة المنتدى
    وان شاء الله الامور تتعدل

    تحياتي
    كللي حلى



      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 5:25 am